الشيخ محمد آصف المحسني
281
صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية
في أول هذا الباب أنه كان حين تقرير الوجوه المذكورة وإيرادها ساخطا على المتكلّمين المخالفين له ولأقرانه في هذا الباب ، وكأن هذا السخط أوجب انحرافه عن جادة الاعتدال ؛ فلذا لم يصب في شيء من كلماته ، حيث إن الوجوه المذكورة كلها ضعيفة سخيفة ، بل بعضها غير مربوط بالمقام ، وبعضها إن تمّ لتمّ في خصوص العلّة الموجبة دون الفاعل المختار . ولذا علّق السبزواري على أصل عنوان الباب : وكفى في إبطاله - أي إبطال تقدّم العدم على الفعل - لزوم تخلّف المعلول عن العلّة التامّة ، ولكننا برهنا على اختياره تعالى فلا ربط للبحث المذكور بالمقام . وحيث إن ذكر تلك الوجوه الثمانية وإبطالها يفي إلى التطويل الممل تركناها وأهملنا إيرادها ، والمنصف الفطن إذ لاحظها بدقّة يعرف وجه الخلل فيها ، واللّه الهادي . ولنا دليل ثان على حدوث ما سوى اللّه من الموجودات ، وهو ما برهنّا عليه من حدوث إرادته تعالى ، فإن الأشياء مسبّبة عن إرادة اللّه تعالى اتّفاقا ، ومن الضروري تأخّر المعلول عن العلّة وتقدمها عليه ، فإذا ثبت حدوث العلّة كان المعلول أولى بالحدوث بالضرورة ، فالأشياء بأسرها حادثة لا محالة ، ومرجّح الإحداث والإرادة علمه تعالى بالأصلح ، وكيفية قدرته أي كونه تعالى بحيث له أن يفعل وله أن يفعل . لا يقال : الثابت ممّا تقدّم هو حدوث الإرادة شخصية لا نوعية ، فيمكن قدمها بتعاقب أفرادها بلا انقطاع من الطرف الأول ، كما لا انقطاع لها من الجانب الآخر اتّفاقا . قلت : إذا كان كلّ فرد حادثا لكان الجميع حادثا بحكم الحدس القطعي ، وهذا نظير ما ذكروه في برهان الحيثيات الدال على إبطال التسلسل ، فلاحظ . قال السيد الداماد في محكي القبسات « 1 » : والقانون الضابط أن الحكم المستوعب الشمولي لكلّ واحد واحد إذا صحّ على جميع تقادير الوجود لكلّ من الآحاد مطلقا منفردا كان عن غيره أو ملحوظا على الاجتماع كالحكم بالإمكان على كلّ ممكن كان ينسحب ذيله على المجموع الجملي أيضا من غير امتراء ، وإن اختصّ بكلّ واحد واحد بشرط الانفراد كان حكم الجملة غير حكم الآحاد ( كالحكم على كل إنسان بإشباع رغيف إيّاه ) . أقول : والمقام من قبيل الأول كما لا يخفى ، فحدوث إرادته تعالى كما يترتّب عليها اختياره تعالى ، كذا يترتّب عليها حدوث العالم ، فتدبر .
--> ( 1 ) شرح المنظومة / 130 .